الشاهد ، شركة بترولية بريطانية و أخرى أمنية اسرائيلية : أي علاقة

 

حصان طروادة يراود قطاع الطاقة في تونس: التحيّل المضاعف على الدولة

عبر تكتيك الدمى الروسية و باستعمال شركات وهمية كواجهة، كيف تمكّنت من التسلّل لشرايين البلاد شركة نفطية متعدّدة الجنسيات متورّطة مع شركة أمنية إسرائيلية في جرائم حرب و متورّطة في جرائم ضدّ البيئة و في فضائح فساد و رشاوي في العالم موثّقة منذ سنوات

يقول ابن خلدون :إن انتشار الفساد يدفع بعامة الشعب إلى مهاوي الفقر والعجز عن تأمين مقتضيات العيش، وهو بداية شرخ يؤدي إلى انهيار الحضارات والأمم

إنّ تناولنا اليوم لأحد ملفّات السيادة الطاقية في تونس، نابع من محاولتنا تركيز نظرة موضوعية لواقع الحال دون تضخيم أو تقزيم، مُراعين أنّ الشيطان يكمن في التفاصيل، لذلك نضع مبدئيا بين يدي القرّاء جدولا زمنيا مُجرّدا ثمّ نستطرد بتحليلنا لتسلسل الأحداث، فالحكم على الشيئ فرع عن تصوّره و وضع الأمور في إطارها الزمني كفيل بتوفير نظرة شاملة أقرب ما تكون للإحاطة بالملف

نقطة إنطلاق بحثنا كانت الأخبار المتواترة عن إنسحاب شركات نفطية من الساحة التونسية مثل الشركة الإيطالية إيني و الإندونيسية ميدكو ، إذ فرض سؤال محوري نفسه : لصالح من ستفرّط هاته الشركات النفطية في أصولها و من سيعوّضها في تونس ؟ هل نحن أمام نقلة نوعية إيجابية أم أنّنا أمام مجرّد تكرار لخلط للأوراق ؟ من بصدد الإستثمار حاليا في قطاع النفط بتونس عبر شراء أصول الشركات النفطية المُغادرة لتونس ؟
قرّرنا كعيّنة بحثية أن نتناول ملفّ الشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز
ATOG
يدير الشركة السيدان جونتان تايلور و جايمس برويك و هما إنجليزيا الجنسية و يشغل خطّة مستشار بالشركة السيد السيد مهدي بن عبد الله رئيس الغرفة التجارية التونسية البريطانية و القيادي بحزب تحيا تونس مثلما يوضّح ذلك الموقع الرسمي للشركة

لكن ما هي الشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز و ما هي طبيعة
نشاطاتها في تونس و ما دور السيد مهدي بن عبد الله في هذا الإطار ؟ أسئلة تفرض نفسها، للحصول على إجابات وافية فلنعد بالزمن إلى جذور الموضوع و لنستعرض الجزء الأوّل من الجدول الزمني
الثلاثاء 26 ديسمبر 2017 : شركة ترايدنت إينيرجي النفطية مستشارها الرئيسي في تونس السيد مهدي بن عبد الله، تجتمع مع وزير الطاقة آنذاك خالد قدور و تعبّر عن نيتها إستثمار 350 مليون دولار في مشاريع إعادة تهيئة و إستكشاف
مارس 2018 : رفضت اللجنة العليا للطاقة التابعة لوزارة الإشراف قبول شراء شركة ترايدنت إينيرجي لحقوق شركة إيني الإيطالية معلّلة الرفض بعدم توفّر القدرة التقنية لشركة ترايدنت لتسلّم المشعل
الثلاثاء 31 أوت 2018 : رئيس الحكومة يوسف الشاهد يُعلن على خلفية
ملفّ فساد مُفترض، تعليق إمتياز إستغلال “حلق المنزل” بالمنستير إضافة إلى جملة التدابير التالية
إعفاء وزير الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة و كاتب الدولة للمناجم-
إعفاء المدير العام للمحروقات، والرئيس المدير العام للشركة التونسية للأنشطة البترولية، والمدير العام للشؤون القانونية بوزارة الطاقة، من مهامهم
إلحاق مصالح وزارة الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة بوزارة الصناعة- والمؤسسات الصغرى والمتوسطة. وتشكيل لجنة خبراء لدى رئاسة الحكومة لإعادة هيكلة الوزارة ومراجعة حوكمة قطاع الطاقة
سبتمبر 2018 : خالد قدور، وزير الطاقة المُقال يصرّح في قناة نسمة أنّ وضعية “حلق المنزل” قانونية و أنه تفاجئ بقرار الإقالة.
سبتمبر 2018 : اكد رئيس جمعية المراقبين العموميين، شرف الدين اليعقوبي، انه لا وجود لشبهات فساد في ملف حلق المنزل
إلى هذا الحدّ من التسلسل الزمني لنا أن نتساءل عن دوافع قرارات رئيس الحكومة حينها يوسف الشاهد المفتقدة للتعليل الإداري المنطقي، بحلّ وزارة الطاقة و تفكيك ما تبقى من السيادة الطاقية لتونس، أخذا بعين الإعتبار إستحالة أن يكون الدافع ترسيخ السيادة الطاقية الفعلية و إلّا لالتفت الشاهد لملفات أخرى تباعا، لا يشوب إخلالاتها شكّ أو شبهة، لكنّ التدابير الإنتقائية حول ملف هامشي بعينه تُثير تساؤلات مشروعة عن سبب إستعماله كذريعة لإعادة خلط الأوراق في مجال الطاقة بتونس عوض إصلاح الهيكل القائم و البناء عليه
معلوم بالضرورة فى مبادئ التقصي أن تتجه أنظار من يبحث عن الفاعل فى أمر ما إلى صاحب المصلحة المستفيد من وقوعه، وأحيانا يكون المسؤول رغم معرفته، ليس هو الفاعل الحقيقى بل مجرّد أداة.
فلنستعرض الجزء الثاني من الجدول الزمني لأنّ المُستفيد الفوري من حلّ وزارة الطاقة لن يُطيل المكوث في الخفاء

05/03/2019
مهدي بن عبد الله يلتحق رسميا بحزب تحيا تونس
https://archive.is/1DGjk

مهدي بن عبد الله

 

22/03/2019
برأس مال يُعادل جنيه إسترليني واحد، إنشاء الشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز ببريطانيا و التي يشغل فيها مهدي بن عبد الله خطّة مستشار
https://archive.is/RNvrm
https://archive.is/PM8hp

أفريل 2019
تتقدّم الشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز المشبوهة نظرا لرأس مالها الأولي و حديثة المولد بطلب لشراء الأصول النفطية و سندات محروقات شركة ميدكو اينيرجي الإندونيسية الناشطة بالجنوب التونسي منذ 2014 على غرار إمتياز اسغلال “بئر طرطار” ورخصتي البحث “جنوب رمادة “و”جناين الوسطى” في إطار عقد مقاسمة مع المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية ” إيتاب” والتي تتمتع أيضا بحقوق و التزامات رخصة البحث برج الخضراء بالإضافة إلى امتيازي استغلال بخليج الحمامات كوسوموس و ياسمين
جوان 2019
اللجنة الإستشارية للمحروقات توافق مبدئيا على عملية بيع الأصول مع طلب الضمانات المالية و التقنية للشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز
الثلاثاء 1 أكتوبر 2019
دون حسيب أو رقيب و في ظلّ بتر وزارة الطاقة من الإدارة بتعلّة شبهة فساد هلامية نظّمت الشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز حفلا تمّ خلاله الإعلان عن إقتناء أسهم شركة ميدكو إينيرجي و ذلك بإشراف وزير الصناعة حينها سليم الفرياني و سفيرة بريطانيا بتونس، دون تقديم ضمانات مالية أو تقنية على القدرات المفترضة لشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز وفق ما يقتضيه الفصل 7 من مجلة المحروقات الصادرة بمقتضى القانون عدد 93 لسنة 1999 المؤرخ في 17 أوت 1999 “انه لا يمكن القيام بانشطة تنقيب وبحث واستغلال للنفط الا عبر الدولة التونسية طبقا لاجراأت تحدد لكل حالة على حدة وان المؤسسات العامة او الخاصة التونسية اوالاجنبية التي لديها ما يكفي من الموارد المالية والقدرات التقنية للقيام بالانشطة المذكورة في افضل الظروف وتحقيقا لهذه الغاية يجوز للسلطة المرخصة في اي وقت ان تطلب ضمانا لاداء الالتزامات من حيث الانفاق و او الحد الادنى من الاعمال المقدمة من قبل منظمة وافقت عليها

نوفمبر 2019
اللجنة الإستشارية للمحروقات تجدّد طلب الضمانات المالية و التقنية للشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز، لكن المحضر يتضمن مغالطة تمثّل عملية تحيل على الدولة التونسية، فدون تعليل أو توثيق يُشار إلى أنّ من قام بشراء أصول ميدكو إينيرجي هي الشركة الإنجليزية الإفريقية للنفط و الغاز و هي شركة يديرها نفس الشخص الإنجليزي جايمس برويك الضابط السابق في الجيش الإنجليزي و في الفيلق الأجنبي الفرنسي، علما أنّ هاته الشركة ليست حديثة التشكيل مثل الشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز.
نحن إذا أمام عملية تحيّل مزدوجة، إذ يتمّ الموافقة على بيع أصول نفطية في وقت قياسي لصالح الشركة التي يشغل السيد مهدي بن عبد الله فيها خطّة مستشار دون توفير ضمانات مالية و تقنية وفق ما يتطلبه الفصل 7 من مجلة المحروقات، إضافة إلى ذلك و لذرّ الرماد في العيون يتمّ تغيير إسم الشركة المُقتنية للأصول بين محضرين متعاقبين دون تفسير لذلك

لو توقف الأمر على هذا الحدّ لكان يكفي لوصف الملف موضوعيّا بالمهزلة نظرا أنّ اللجنة الإستشارية للمحروقات تضمّ وزارتي الداخلية و الدفاع اللذان من المفترض أن يتحرّيا تجنبا لعمليات التحيل.
لكنّنا لم نصل بعدُ للقاع
تبيّن لنا عبر الإطلاع على البيانات مفتوحة المصدر أنّ مموّل عمليات الشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز في تونس ما هي إلّا شركة ترافيغورا متعدّدة الجنسيات
Trafigura
https://archive.is/HQFkE
https://archive.is/Tb4UK

ما هي هاته الشركة إذا و لماذا تستعمل ما يُسمّى بالشركة الإنجليزية التونسية للنفط و الغاز كواجهة ؟

لو قمنا ببحث عادي على محرّك البحث غوغل لوجدنا نتائج عادية لا تتضمّن إشكاليات تُذكر أو شبهات تتعلّق بشركة ترافيغورا ممّا يدل أنها أنفقت أموالا طائلة ل”تحسين” السمعة في نتائج محرّك البحث، إذ ما إن نعمّق البحث إلّا و نجد أوّلا تقريرا داخليا مسربا لشركة ترافيغورا نشره موقع ويكيليكس في سبتمبر 2014 يبيّن أنّ الشركة كانت على علم بحجم الأضرار التي تسبّبها نفاياتها السامة التي تضرّر بسببها في ساحل العاج مثلا قرابة ال180 ألف شخص

https://www.theguardian.com/world/2009/oct/17/trafigura-minton-report-revealed
https://wikileaks.org/wiki/Minton_report:_Trafigura_Toxic_dumping_along_the_Ivory_Coast_broke_EU_regulations,_14_Sep_2006

تورّطت كذلك شركة ترافيغورا في فضيحة مدوية بجمايكا سنة 2006 حيث قامت بدفع رشاوي للحكومة المحلية مقابل الحصول على عقود نفطية
https://wikileaks.org/plusd/cables/06KINGSTON2021_a.html

سنة 2018 : وجّهت الحكومة البرازيلية تهما بدفع رشاوي و بالفساد لموظّفين من شركة ترافيغورا

https://www.theguardian.com/world/2018/dec/14/brazil-charges-former-trafigura-executives-with-corruption

سنة 2018 أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات ضدّ جنرال متقاعد من الجيش الإسرائيلي يُدعى إسرائيل زيف يترأس شركات أمنية إسرائيلية إذ قام ببيع أسلحة في جنوب السودان و غذّى بذلك جرائم الحرب بالبلاد
علما أنّ إسرائيل زيف قام ببيع ما قيمته 150 مليون دولار من الأسلحة لجنوب السودان و قد أشارت الخزانة الأمريكية أنّ الضابط السابق في الجيش الإسرائيلي قد باع الأسلحة لكلا الطرفين المتنازعين خلال الحرب الأهلية بالسودان
صرحت حينها الخزانة الأمريكية بتواطئ شركة نفطية مع الشركة الأمنية الإسرائيلية
https://home.treasury.gov/news/press-releases/sm574

سنة 2019 أثبتت تقارير لمنظمات غير حكومية أنّ شركة ترافيغورا هي من قامت بالتعاون مع الضابط السابق في الجيش الإسرائيلي و شركاته الأمنية الإسرائيلية قصد بيع الأسلحة لجنوب السودان

https://www.bloomberg.com/news/articles/2019-11-19/trafigura-accused-of-having-contact-with-alleged-arms-dealer

https://www.occrp.org/en/investigations/sprouting-weapons-of-war#

https://www.publiceye.ch/fr/thematiques/negoce-de-matieres-premieres/les-avances-explosives-de-trafigura-au-soudan-du-sud

سنة 2020 : فتحت السلطات الأمريكية تحقيقا ضدّ شركة ترافيغورا بتهم تتعلّق بالفساد

https://www.theguardian.com/world/2020/may/31/trafigura-investigated-for-alleged-corruption-market-manipulation

يقول المفكّر و الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي : لتتخلصوا من الاستعمار عليكم أولا أن تتخلصوا من قابليتكم له
لطالما كانت مشكلتنا في العالم العربي عموما و في تونس خصوصا مع أحصنة طروادة التي زرعها الإستعمار في ديارنا، المتملّكون أكثر من الملك خدمة لمصالح أرباب نعمتهم على حساب بني جلدتهم ثمّّ من فتات الموائد يقتاتون بقدر ما يسمح لهم المستعمرون الجدد، و الملف الذي عرضناه اليوم غيض من فيض، فمتى يتمّ إرساء أسس سيادة طاقية فعلية في تونس تُشجّع على الإستثمار و تحارب الفساد و تحقّق المصالح الوطنية عوض ترك البلاد في أيدي شركات واهية و واجهة لمآرب شخصية ضيقة.

كتبه :

ماهر زيد كاتب صحفي متخصص في الشؤون الأمنية

عضو مجلس نواب الشعب ، نائب رئيس لجنة الأمن و الدفاع