سلمتها الدولة التونسية لداعش : مواطنة تونسية تموت بسجن جزائري

ماهر زيد – تونس

لا أحد يكتب في تونس عن الارهاب ، سوى نقلا لبعض الأخبار التي مصدرها رسمي في كل الحالات .

ففي ظل ديكتاتورية متنامية و حرب معلنة على الكتابات الخارجة عن سرب المغردين في اتجاه رغبة السلطة أصبح التحقيق الصحفي المعمق سيما في مواضيع محرجة للسلطة كالارهاب مثلا عملا انتحاريا بكل ما للكلمة من معنى .

فعن تجرية أحدثكم و قد تمت احالتي على المحاكم في أكثر من عشر قضايا و ببساطة لأني كتبت حول موضوع الارهاب و أحد تلك القضايا شكاية تقدمت بها وزارة الداخلية  بعد صدور كتابيالارهاب و الفساد رغم تحقيقه رقم مبيعات و اقبال قياسي حيث انتشر ورقيا و الكترونيا انتشار النار في الهشيم .

أعود اليوم لأكتب لقرائي الأعزاء مرة أخرى حول الارهاب و أدق الخصائص فيه أي اختراق الجماعات الارهابية من طرف أعوان الدولة . فقد كان اختراق  الاوساط المتشددة المادة الأساسية لكتابيارهاب تحت الطلب الذي غطى عملية المنيهلة الارهابية المفتعلة و كيف انحرف آمر الجرس الوطني السابق لطفي براهم بالسلطة و حول عنصر اختراق من أداة لاستسقاء أخبار و مخططات “الجماعات الارهابية” الى قيادي بارز في داعش يستقطب بنفسه أفراد مجموعاته قبل أن يؤثر فيهم و يقنعهم بضرورة استهداف الدولة و السياح و رجال الأمن أنفسهم بأوامر من قيادات أمنية .

ففي سياق عملي كتابة و نشرا و تحقيقا اتصل بي خلال السنوات الأخيرة العديد ممن أجبرتهم بعض الفرق الأمنية على العمل كجواسيس داخل الجماعات الارهابية أو مستقطبين و باعثين لخلايا ارهابية تعمل “تحت الطلب” و ذلك تحت التهديد و الاكراه . لقد تشابهت وسائل تجنيدهم القسري لفائدة قيادات أمنية تبحث عن بطولة و مجد عبر “مقاومة الارهاب” حيث يتعرضون في مرحلة أولى الى صنوف من الهرسلة و الاذلال و حرمان من حقوق المواطنة الأساسية كحق السفر و التنقل داخل البلاد و غيرها ليقبلوا في نهاية المطاف بالعمل كجواسيس و أحيانا قادة لمجموعة ارهابية على أمل الحصول على جواز سفر أو السماح لهم بتغيير أماكن سكناهم أو عملهم و كلها حقوق حياتية أساسية يعرضون أنفسهم لخطر الموت و الذبح مقابل الجصول عليها .

و في ذات الاطار تم أيضا اكراه عدد غير معلوم من السيدات على العمل كجاسوسات و عناصر استقطاب للايقاع بارهابيين مفترضين في غياب أي أدنى تكوين أو تدريب مسبق بل و تحت الاكراه و التهديد بتلفيق التهم و الحرمان من أبسط الحقوق المدنية .

ففي عام 2017 قامت احدى الفرق الأمنية المكلفة بمكافجة الارهاب اعتراض زوجين قادمين من تركيا بعد أن قضيا فيها أسابيع بحثا عن امكانية الاستقرار و العيش هناك . و بحد تحقيق روتيني معهما حول أسباب سفرهما الى تركيا و ما اذا كانا التقيا ارهابيين تونسيين هناك ، تم اطلاق سراحهما . أياما بعد ذلك قام أعوان تلك الفرقة الأمنية باستدعاء الزوجة للجضور لديهم طالبين منها عدم اخبار زوجها بتلك الدعوة ، حيث لبت طلبهم خوفا من بطشهم .

بعد تذكيرها بكونها لا تزال محل متابعة قضائية من أجل سفرها “المشبوه” الى تركيا و امكانية صدور أمر قضائي باعتقالها في كل لحظة ، تلقت الزوجة و أم أطفال ثلاثة عرضا “مغريا” من تلك الفرقة  يقضي بقبولها العمل كجاسوسة داخل الجماعات الارهابية  مقابل عدم التعرض لها و مضايقتها  شريط كتمانها سرية المهمة و عدم اخبار زوجها بذلك . قبلت أم الأطفال الثلاثة ذلك العرض و تم تكليفها بالايقاع بعدد من قادة الجماعات الارهابية في تونس و خارجها من خلال ربط علاقات عاطفية معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي و الاعراب  عن استعدادها الزواج منهم .

 

كادت المهمة الاولى أن تكلل بالنجاح حيث تمكتت عنصر الاختراق من اقناع أحد القيادات الارهابية المتواجد في بلد شرق أوسطي من القدوم الى ليبيا قصد عقد قرانه عليها و بذلك بتوجيه حرفي من أفراد الفرقة الأمنية المذكورة قبل أن يتراجع الارهابي من تلقاء نفسه عن القدوم .

أسابيع بعد ذلك نجحت المجندة في التأثير على أحد القيادات الارهابية المتواجد بأحد الجبال غرب البلاد و تطورت العلاقة بينهما لتنتهي باتفاق على “الزواج” وفق ما رسمه أعوان الأمن الذين شددوا على أم الأطفال الثلاثة مواصلة كتمان ما تفعله عن زوجها . و خلال أيام من ذلك الاتفاق الذي توج علاقة “غرامية تحت الاكراه” اقترح القيادي الارهابي على “عروسه” القدوم الى احدى مدن الشمال الغربي ليتكفل هو بارسال سيارة تأخذها الى حيث مكانه بالمرتفعات الجبلية غرب البلاد . و بعد تشاور و اتفاق داخل الفريق الأمني المشرف على تلك العملية تم ارسال الزوجة و الأم الى “عريسها” الارهابي الى أحد مدن الشمال الغربي لتنتطر هناك و بتعليمات منه سيارة تنقلها الى معقلها باحد المرتفعات الحدودية .

لم تكن هناك متابعة للزوجة و الأم التي تم ارسالها الى أحد أخطر الارهابيين و لا محاولة تذكر للقبض عليه حيث تفاجأت المصالح الأمنية في تونس باتصال هاتفي من نظيرتها الجزائرية بعد أيام ثلاثة تطلب تأكيدا أو نفيا ان كانت المواطنة التونسية الموقوفة حديثا لديهم قد تم ارسالها الى المرتفعات الحدودية بتوجيه من الداخلية التونسية مثلما أفادتهم به عند استجوابها . كان الجواب فوريا و قطعيا بأن لا جهة أمنية تونسية قامت بذلك الفعل و تحولت منذ تلك اللحظة عنصر الاختراق من مجندة قسرية تقدم عملا بطوليا نادرا ليلادها الى ارهابية دولية تواجه مصيرا مجهولا بعيدا عن مسامع زوجها و أسرتها و محامييها .

 

تسربت أخبار الرهينة التونسية عبر سجينات قاسمنها زنازين سجنها الى أسرتها و محامييها في تونس حيث تحركوا على الفور و مارسوا ما أمكن من الضغوط على الجهة التي قامت بالتجنيد القسري للمواطنة المذكورة و ارسالها الى أخطر الارهابيين قبل أن ينتهي بها المطاف أسيرة في دولة أصبجت تعاملها واقعيا كارهابية . أما الزوج و بعد أن طال غياب زوجته و تفطن الى ما قامت به دون معرفته الى التقدم بقضية للطلاق و تمكن لاحقا من نيل الأحقية في حضانة أطفاله الثلاثة .

دخل المرفق القضائي على الخط محاولا استرجاع المواطنة المحتجزة في سجن جزائري مما دفع الفرقة الأمنية الضالعة في تلك الفضيجة الى الاعتراف الجزئي بالمسؤولية و لكن دون أن تتوج تلك الخطوات بعودة الرهينة التونسية الى أهلها و وطنها .و مما رشح من مصادر مقربة من القضية الفضيجة أن السلطات القضائية الجزائرية تقدمت بعرض الى الجهات التونسية مقابل اطلاق سراح المعتقلة لديها الا أن المسؤولين لدينا لم يتجاوبوا في الحد الأدنى لتتواصل في الأثناء رحلة عذاب مواطنتنا .

و هكذا على غرار اخرين سلموا أنفسهم للجهات الأمنية قرابين و أكباش فداء مقابل الظفر بجواز سفر أو حق في العمل ، أصيبت المعتقلة التونسية في سجن جزائري بسرطان أتى على بدنها و قد خسرت قبل ذلك الحرية و الأولاد و الزوج .جريمة دولة أخرى تنضاف الى سجل أسود في مجال حقوق الانسان و تنكر ممنهج للتعهدات الدولية و نصوص القانون الذي داسه البعض بأحذيتهم و خانه مؤتمنون اخرون عليه بصمتهم .

الكاتب :